المقريزي
295
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
ديناران ورطل حلوى ورطلان زيتا من زيت الزيتون ، ومثل ذلك من الصابون ، ويصرف له ثمن كسوة في كلّ سنة ، وتوسعة في كل شهر رمضان ، وفي العيدين ، وفي مواسم رجب وشعبان وعاشوراء ، وكلما قدمت فاكهة يصرف له مبلغ لشرائها ، وبالخانقاه خزانة بها السكّر والأشربة والأدوية ، وبها الطبائعيّ والجرائحيّ والكحال ومصلح الشعر ، وفي كلّ رمضان يفرّق على الصوفية كيزان لشرب الماء ، وتبيّض لهم قدورهم النحاس ، ويعطون حتى الأسنان « 1 » لغسل الأيدي من وضر اللحم ، يصرف ذلك من الوقف لكل منهم ، وبالحمّام الحلاق لتدليك أبدانهم وحلق رؤوسهم ، فكان المنقطع بها لا يحتاج إلى شيء غيرها ويتفرّغ للعبادة ، ثم استجدّ بعد سنة تسعين وسبعمائة بها حمّام أخرى برسم النساء ، وما برحت على ما ذكرنا إلى أن كانت المحن من سنة ست وثمانمائة ، فبطل الطعام وصار يصرف لهم في ثمنه مبلغ من نقد مصر ، وهي الآن على ذلك ، وأدركت من صوفيتها شخصا شيخا يعرف بأبي طاهر ، ينام أربعين يوما بلياليها لا يستيقظ فيها البتة ، ثم يستيقظ أربعين يوما لا ينام في ليلها ولا نهارها ، أقام على ذلك عدّة أعوام ، وخبره مشهور عند أهل الخانقاه ، وأخبرني أنه لم يكن في النوم إلّا كغيره من الناس ، ثم كثر نومه حتى بلغ ما تقدّم ذكره ، ومات بهذه الخانقاه في نحو سنة ثمانمائة ، ومما قيل في الخانقاه وما أنشأه السلطان بها : سر نحو سرياقوس وانزل بفنا * أرجاءها يا ذا النّهي والرشد تلق محلا للسرور والهنا * فيه مقام للتقي والزهد نسيمه يقول في مسيره * تنبهي يا عذبات الرند « 2 » وروضه الريان من خليجه * يقول دع ذكر أراضي نجد خانقاه أرسلان هذه الخانقاه فيما بين القاهرة ومصر من جملة أراضي منشأة المهرانيّ ، أنشأها الأمير بهاء الدين أرسلان الدوادار . أرسلان : الأمير بهاء الدين الدوادار الناصريّ ، كان أوّلا عند الأمير سلار أيام نيابته مصر ، خصيصا به حظيا عنده . فلما قدم الملك الناصر محمد بن قلاون من الكرك بعساكر الشام ، ونزل بالريدانية ظاهر القاهرة في شهر رمضان سنة تسع وسبعمائة ، أطلع أرسلان على أن جماعة قد اتفقوا على أن يهجموا على السلطان ويفتكوا به يوم العيد ، أوّل شوّال ، فجاء إليه وعرّفه الحال وقال له : اخرج الساعة واطلع القلعة واملكها . فقام السلطان وفتح باب سر الدهليز وخرج من غير الباب ، وصعد قلعة الجبل وجلس على سرير الملك ، فرعى
--> ( 1 ) السّنون : مسحوق تجلى به الأسنان وتقوى . ( 2 ) الرّند : شجر طيب الرائحة من الفصيلة الغاريّة . والرّند : الآس .